الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

31

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 15 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 15 ] هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( 15 ) استئناف بياني لما اقتضته جملة لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً [ الكهف : 14 ] إذ يثور في نفس السامع أن يتساءل عمن يقول هذا الشطط إن كان في السامعين من لا يعلم ذلك أو بتنزيل غير السائل منزلة السائل . وهذه الجملة من بقية كلام الفتية كما اقتضاه ضمير قوله : دُونِهِ العائد إلى رَبُّنا [ الكهف : 14 ] . والإشارة إلى قومهم ب هؤُلاءِ لقصد تمييزهم بما سيخبر به عنهم . وفي هذه الإشارة تعريض بالتعجب من حالهم وتفضيح صنعهم ، وهو من لوازم قصد التمييز . وجملة اتَّخَذُوا خبر عن اسم الإشارة ، وهو خبر مستعمل في الإنكار عليهم دون الإخبار إذ اتخاذهم آلهة من دون اللّه معلوم بين المتخاطبين ، فليس الإخبار به بمفيد فائدة الخبر . ومعنى مِنْ دُونِهِ من غيره ، و ( من ) ابتدائية ، أي آلهة ناشئة من غير اللّه ، وكان قومهم يومئذ يعبدون الأصنام على عقيدة الروم ولا يؤمنون باللّه . وجملة لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ مؤكدة للجملة التي قبلها باعتبار أنها مستعملة في الإنكار ، لأن مضمون هذه الجملة يقوي الإنكار عليهم . و ( لولا ) حرف تحضيض . حقيقته : الحثّ على تحصيل مدخولها . ولما كان الإتيان بسلطان على ثبوت الإلهية للأصنام التي اتخذوها آلهة متعذرا بقرينة أنهم أنكروه عليهم انصرف التحضيض إلى التبكيت والتغليط ، أي اتخذوا آلهة من دون اللّه لا برهان على إلهيتهم . ومعنى عَلَيْهِمْ على آلهتهم ، بقرينة قوله : اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً . والسلطان : الحجة والبرهان . والبين : الواضح الدلالة . ومعنى الكلام : إذ لم يأتوا بسلطان على ذلك فقد أقاموا اعتقادهم على الكذب والخطأ ، ولذلك فرع عليه جملة فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً .